إفتتاحية

تحركات بالوكالة لإنقاذ تحالف هجين

محمد ايت ياسين

بداية القرن العشرين كان الوصف الذي يطلق على الإمبراطورية العثمانية والتي كانت تحكم حتى حدود المغرب في اقصى الغرب بالرجل المريض، قبل تفكيكه وتوزيع مناطق نفوذه على قوى غربية صاعدة، عاث فيها فسادا قرابة قرن من الزمن وفي مناطق اخرى قرن ونيفا، فالاتحاد الأوروبي بهذا التفكك الذي يحاول بكل ما اوتي من قوة تخفيف الوطأة عليه وهو المصير المحتوم لان الوضعية السياسية والاقتصادية وتنامي النزعة اليمينية و القومية داخل مجتمعات داخل هذه الرقعة، ونوازع الانفصال التي تحرك هذه التيارات المتطرفة المتنامية تدفعنا لوصف الاتحاد الأروبي بالرجل العجوز.
و لا يمكن باي حال من الأحوال، ان نخرج التصرفات التي تقوم بها الجزائر مؤخرا تجاه المغرب بكل حمولتها، من سياقها الاقليمي والدولي بأبعاده الثلاثة السياسية والاقتصادية والجيوستراتيجية.
فجأة تدحرجت العلاقة المغربية الجزائرية ككرة ثلج، لتصل الى منزلق خطير يخشى العقلاء من أبناء المنطقة المغاربية انه سيؤدي الى حرب أفعال، بعد ان اقتصرت حتى الآن على الاعلام، يرى كثيرون أنها إن حدثت ستكون بالوكالة من الجزائر نيابة عن تحالف تبدو ألمانيا ومعها فرنسا أشد المتحمسين له، كما لا تبدو جنوب إفريقيا بعيدة كثيرا عن الصورة، بهدف فرملة المغرب او على الاقل وضع الحصى في حذائه.
لكن الظاهر ان المغرب بأجهزته الاستخباراتية والديبلوماسية المشهود لها بالكفاءة عالميا، كان واعيا بالمخطط ومدركا ان الجزائر بنظامها الحالي وهو الاكثر عدوانية منذ زمن حكم الهواري بومدين ما هو الا لعبة بيد التحالف الهجين الذي يسعى بكل الوسائل لتحييد الخطر المغربي على المصالح المشتركة لهذا التحالف. و يمكن قراءة المشهد تحديدا على ما يبدو منذ ان خرج للعلن تقرير تم إعداده أواخر سنة 2020 من طرف المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، وهو مذكرة تحليلية كانت سرية تم نشرها بموقع المعهد لاحقا، أظهرت كيف ينظر صناع القرار في ألمانيا إلى التقدم الاقتصادي والسياسي للمغرب. وأوصى التقرير الذي أعدته الباحثة بالمعهد إيزابيل فيرينفيلس (Isabelle Werenfels) تحت عنوان “التنافس المغاربي على أفريقيا جنوب الصحراء”، بضرورة كبح جماح المغرب وعرقلة نموه الاقتصادي، وعدم السماح له بأن يصبح قوة إقليمية، خاصة أمام النمو الاقتصادي البطيء للجزائر وتونس وتخبط كلا الدولتين في مشاكلها الداخلية.
وسجل التقرير أن المغرب يتقدم بوتيرة سريعة، تاركا وراءه جارتيه الجزائر وتونس، فبينما تقبع تونس في الأسفل، التي توقفت عجلة التنمية فيها، تحاول الجزائر التغلب على الصعوبات التي تواجهها واللحاق بالمغرب.
وأوصت المذكرة بضرورة التعاون الثلاثي مع جميع البلدان المغاربية لموازنة الأمور، والتي من شأنها أن ترقى بعد ذلك إلى “مواجهة شعور الجزائر المتزايد بعدم الجدوى، وتعزيز الاقتصاد التونسي، ووضع طموحات الهيمنة المغربية في منظورها الصحيح. وأوضحت المذكرة التحليلية أن هذا الوضع يمثل خللا في التوازن، خاصة وأن الدول الأوروبية، تحاول العمل مع البلدان المغاربية بشكل فردي، كما أوصت المذكرة بالتعاون الثلاثي، وعدم تفضيل المغرب. وأوردت المذكرة الألمانية، أن سياق الأحداث هذا، سيلزم فرنسا والاتحاد الأوروبي، على توضيح علاقاتهم مع دول شمال إفريقيا، ومراجعة العلاقات الاقتصادية، التقرير لخص ان اطرافا داخل الاتحاد الأوروبي في قراءتها للوضع في ضفتي المتوسط رصدت التفوق الكبير للمغرب على جيرانه بل و بداية تشكيله لقوة صاعدة صناعيا و عسكريا بالموازاة مع الاصلاحات السياسية و المجتمعية،
ثم تفاجئنا جميعا ببلاغ مقتضب من الخارجية المغربية ذات مساء تعلن وقف التعامل التام مع السفارة الالمانية لإيصال على ما يبدو رسالة مفادها ان الرباط تعي جيدا المخطط الذي تم رسمه لفرملة المغرب، و ربما يكون الامر قد تم التداول فيه و فرضه فرضا على القيادة الجزائرية في شخص الرئيس عبد المجيد تبون الذي اقام في مستشفيات المانيا مدة طويلة للاستشفاء من كورونا.
يصعب تفسير ما وقع خصوصا بعد عودة الرئيس الجزائري إلا بلاده ،حيث شهدنا تدهورا دراماتيكيا سريعا للعلاقة المغربية الجزائرية، بدأ بالتحرش بالمغرب ديبلوماسيا بعد تصريحات متبادلة بين ممثلين للبلدين في قمة دول عدم الانحياز، ثم تم قطع العلاقات الديبلوماسية بمبرر واه هو تطبيع المغرب لعلاقاته باسرائيل، لكن عدم تجاوب المغرب مع هذه التصرفات ،ربما جعل المخطط يزيد من سرعة تنزيله ،بل بالعكس تماما خاطب الملك محمد السادس في خطاب العرش و بلغة صريحة و واضحة و بدون لغة قابلة للتأويل و التحليل انه لا يمكن ان ياتيكم شر من المغرب بل ان المغرب و الجزائر توأم . و لم يكن استخدام هذه اللغة من باب الترف العاطفي، بل هي و بدون مواربة اقامة للحجة، لان الملك ربما يعرف ان الرهان في الجزائر على الشعب الباقي أبدا وليس على قيادتها الحالية المدنية و العسكرية التي تبدو منخرطة إما تحت التهديد او تحت تأثير العقد التاريخية في مسلسل التحرش بالمغرب ومحاولة جره لحرب قد تحقق مراد التحالف المنزعج من المغرب. و شكلت بداية الحرائق في جزئها الطبيعي مطية لزيادة جزء اخر مصطنع لإقحام حركة الماك في الموضوع و ربطها بالمغرب لزيادة التحرش بالمملكة و جاء الرد غير متوقع من المغرب اذ امر الملك وزير خارجيته ووزير الداخلية للتنسيق مع نظرائهم الجزائريين للتنسيق و لتقديم الدعم بالطائرات المخصصة لإطفاء الحرائق. وهو ما لم تستجب له الجزائر لان هدفها ربما كان واضحا و هو جر المغرب للحرب.
واتت مناسبتين في عز الازمة بعد اضافة الجزائر لقائمة تحرشاتها اغلاق المجال الجوي امام الطائرات المغربية المدنية والعسكرية، وهي وفاة الرئيس الجزائري الاسبق عبد العزيز بوتفليقة ثم بعده بأيام، وفاة الرئيس السابق عبد القادر بنصالح، و ابرق الملك للتعزية فيهما بكل الاحترام، وعيا منه على ما يبدو بالمسألة و رغبة منه في عودة القيادة الجزائرية لرشدها.
لان ما لا يعرفه اغلب الجزائريين ومعهم معظم المغاربيون عموما ان الملك محمد السادس يحمل منذ مقاعد الدراسة في كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالرباط هما مغاربيا، وببحث يحمل عنوان «الاتحاد العربي الإفريقي واستراتيجية التعامل الدولي للمملكة المغربية”، ” نال شهادة الاجازة تناول فيه القضايا المغاربية ببعدها الاستراتيجي ومصالح بلدانها وشعوبها المشتركة، ثم ببحث اخر لنيل الدكتوراه في موضوع “التعاون بين السوق الأوروبية المشتركة واتحاد المغرب العربي”. والتي نالها من جامعة نيس الفرنسية، كل هذا يجعل ما تنخرط فيه الجزائر اذا صحت هذه القراءة ليس زعزعة لاستقرار المغرب وحده بل رمي المنطقة المغاربية للمجهول.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *